ابن رشد
21
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
اثنين : أحدهما للخير والثاني للشر ، كما هو شأن الديانات الفارسية جملة . لقد كان لا بدّ أن يدفع الجدال في هذا الموضوع ، من منظور إسلامي يقوم على فكرة التوحيد ، إلى التشديد على مسألة وحدة الإله : وحدته العددية ووحدته الكيفية : الله واحد بالعدد لا شريك له ، وواحد لا تركيب في ذاته « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ( الشورى 11 ) . وهكذا يقرر أبو الهذيل وحدة الذات والصفات : فالله عالم بعلم هو هو ، وقادر بقدرة هي هو . . . وهكذا في سائر الصفات التي يصف الله بها نفسه لذاته ، يعني الصفات التي يوصف الله بها ولا يوصف بأضدادها ، مثل العلم : يوصف الله به لذاته ولا يوصف بضده أي الجهل . « 11 » والتشديد على وحدة الذات والصفات كان ضروريا لإغلاق الباب أمام القول بالتعدد . ذلك لأنه لو كانت صفات الله غير ذاته ، وهي لا بدّ أن تكون قديمة مثله ، لأدى ذلك مباشرة إلى القول بتعدد القدماء ، وهذا ما كان المعتزلة يرفضونه بقوة من خصومهم سواء منهم المانوية القائلين بالاثنين أو النصارى القائلين بالتثليث . وقد ترتب عن هذا النوع من المبالغة في التنزيه مشاكل " داخلية " . أعني ما يتعارض داخل التصور الإسلامي الذي يقرره ظاهر النصوص مع هذا النوع من التنزيه المطلق وما يدلي به الخصم بشأنه من إلزامات ، أي ما يستخرجه منه من نتائج تلزم عنه بصورة أو بأخرى . من ذلك مثلا ظاهر الآيات التي تنسب الوجه واليد والجهة والمجيء إلى الله تعالى وتقرر رؤيته بالأبصار . ومن المسائل الداخلية التي أثارها التنزيه المعتزلي ، أو على الأقل أدرجت في نطاقه وبررت به ، مسألة القرآن كلام الله : هل هو قديم أو مخلوق محدث ؟ « 12 » هنا يأتي التمييز بين صفات الذات وصفات الفعل عند المعتزلة : الأولى كالعلم والقدرة والحياة ، أما الثانية فكالكلام : الكلام صفة فعلية وبالتالي فهو حادث . ويميز أبو الهذيل العلاف بين الكلام يكون في المحل ، أي الذي موضوعه قائم موجود كالأمر والنهي : ( - أمر بأشياء ونهي عن أشياء ) وبين الكلام الذي ليس في محل كقول الله : " كن " - إذا أراد شيئا أن يكون . فالكلام ( كلمة : كن ) ليس في موضوع بل هو من أجل خلقه . وهذا الصنف من الكلام هو وحده الذي يصح القول عنه إنه قديم ، وأنه هو الذات نفسها . أما القرآن فبما أنه أوامر ونواه وأخبار واستخبار عن أشياء فهو غير ذات الله وبالتالي فهو عرض ، خلقه الله في اللوح المحفوظ أولا ثم في قلب الرسول ثانيا ثم في المصحف أخيرا .
--> ( 11 ) أبو الحسن الأشعري . مقالات الإسلاميين . تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد . جزءان في مجلد واحد . مطبعة النهضة المصرية . القاهرة . 1969 . ج 1 . ص 245 . ( 12 ) انظر كتابنا : المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية . فصل : محنة ابن حنبل . نفس المعطيات السابقة .